غالب حسن
19
مداخل جديدة للتفسير
هذه الآية أحد الجوانب التطبيقية الرائعة لذلك القانون الاجتماعي المثير . فالاطمئنان نسق حضاري عميق في الفكر الإسلامي ، لأنه يشير إلى حالة من الصفاء الروحي والاستقرار الاقتصادي ، كما أنه يتجاذب بحيوية وعمق مع الحرية ويتواصل مع الانسانية كمفهوم خلاق بأواصر جدلية فاعلة ، والكفر بالنعم هو الآخر نسق بعيد المدى من المعاني والدلالات ، ويأخذ صورا وأشكالا غير محصورة ، منها الاسراف ومنها البخل ، ومنها وضع الشيء في غير محله ومنها الغرور ومنها إشاعة الفحشاء . . . ولمزيد من الفائدة نذكر استطرادا الملاحظات التالية : الملاحظة الأولى : ان الاطمئنان مفهوم انساني شامل ، يتقوم بالحرية والأمن والرفاه ، وأنه غاية قصوى في مسيرة الانسان والمجتمع ، ويكشف عن ارتقاء روحي ومادي في آن واحد . الملاحظة الثانية : ان الجوع والخوف من أخطر الآفات التي يمكن أن تجهز على الكيان الاجتماعي ، فتحطمه وتدمره ، فالخوف يشل الفعل والإرادة ، ويجهز الذات الانسانية لاستمراء الذل والهوان ، والجوع يسلخ الضمير من أي احساس بالكرامة والأصالة . هذا النص الشريف يحمل ، بعدين ، النظرية والتطبيق في حالة من التفاعل الجدلي المتبادل ، فهو طرح نظري وعملي ، وبذلك ينطوي على نداء حيوي ، يستفز الفكر لفحص الواقع الاجتماعي من أجل التأسيس النظري ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا . فالمثل ليس للاعتبار بل للدراسة الجادة ، ومن ثم يترتب على ذلك الاعتبار كأحد النتائج الخيرة . يقول تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 1 » .
--> ( 1 ) الأنفال / 53 .